هناك الحقائق التي تُتجاوز عن طريق الإهانة أو الحذر أو الحساب. وبعد ذلك هناك أوقات عندما يفرضون أنفسهم بهذه الوحشية التي لا يمكن قطعها بعد الآن. إن لبنان الآن في هذه النقطة التي يجب أن تستعيد فيها الكلمات معناها وحيث يجب تسمية المسؤوليات.
وعلى مدى عقود، ثبت وجود خلل أساسي في قلب الدولة: فالقوة المسلحة، من أقلية، تفرض إرادتها على الأغلبية المنزوعة السلاح. وهذا الخلل ليس عسكريا فحسب بل سياسي ومؤسسي ومعنوي. إنه ليس توازنا بسيطا في السلطة، بل هو انعكاس للمبدأ ذاته الذي تقوم عليه جميع الديمقراطية: أولوية الجماعة على سيطرة الجماعة.
ولا يمثل حزب الله، أيا كانت قدرته أو تنظيمه، الشعب اللبناني بأسره. وحتى بافتراض – فرضية مشكوك فيها بالفعل – أن مجتمع الشيعة بأكمله مكتسب منه، فهو مجرد جزء من البلد. إن لبنان، في جوهره، توازن هش بين مختلف العناصر، حيث لا يمكن لأحد أن يدعي أن يحكم وحده دون كسر الميثاق الوطني.
ومع ذلك كان هذا التمزق الذي حدث
لفهم هذا التحول يجب أن نعود إلى البداية ولم تكن حركة الشيعة اللبنانية، في أيامها الأولى، حاملة منطق السيطرة. وتحت ندبة موسى سعد، تجسد ادعاء بالكرامة والاندماج في السياق اللبناني. وفتح اختفائه في ليبيا، عشية الثورة الإيرانية، خرقا. This breach was not filled by national continuity, but by a radical redefinition of the project.
وبسرعة كبيرة، فُرضت رؤية أخرى: رؤية عبر وطنية وإيديولوجية، أصبح لبنان حلقة وصل في هيكل أكبر. وقد تحرك مركز القرار، وبه الغرض ذاته من العمل.
هذه الشريحة لم تكن بدون عنف
وشهدت الثمانينات هجمات واسعة النطاق، لا سيما ضد القوات الغربية في لبنان. الهجمات على البحرية الأمريكية والجنود الفرنسيين، بما في ذلك هجوم دراكار، أثرت تأثيرا عميقا على تاريخ البلاد المعاصر. وأسهمت هذه الأحداث في الانسحاب التدريجي للغرب، مما ترك فراغا استراتيجيا لا تزال آثاره تثار اليوم. وكانت هذه اللحظة نقطة تحول: لم يعد لبنان مكاناً مستداماً ومحدوداً، ليصبح أرضاً مفتوحة لنفوذ آخر.
وفي وقت لاحق، لم يختفي العنف. لقد تغيرت
وفي البلد نفسه، أعادت سلسلة من الاغتيالات السياسية تدريجيا تصميم المشهد. واستهدفت أرقام رئيسية مثل رفيق الحريري ولوكمان سليم وجيبران توني. These murders were not just isolated acts, they produced a systemic effect: to install fear, deter opposition, and impose an hidden line that no one had to cross.
وفي هذا المناخ، تفرغ الحياة الديمقراطية من جوهرها. وقد أصبحت المناقشة محفوفا بالمخاطر، كما أن التعددية – وإن كانت تشكل هوية لبنانية – قد خنقت تدريجيا.
وفي الوقت نفسه، عززت التطورات الإقليمية هذه الدينامية. وقد اعتبر الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 انتصاراً كاملاً لحزب الله، مما يعزز شرعيته الداخلية والخارجية. وبناء على هذا الموقف، وسعت الحركة نطاق نفوذها خارج المجال العسكري من أجل الاستثمار الكامل في الميدان السياسي.
وقد أكمل التحالف مع الجهات الفاعلة السياسية الرئيسية، ولا سيما حول ميشيل أوون، هذه العملية. The state, already weakened, was gradually neutralised from within. وقد شُللت مؤسساتها، وقيدت قراراتها، وقوّضت قدرتها على ممارسة سلطتها بشكل خطير.
وكانت العواقب ثقيلة.
شركاء لبنان التقليديين، العرب والغربيين على حد سواء، قد ابتعدوا عن دولة لم يعد ينظر إليهم على أنهم سياديون. وقد جفت المعونة، وسحبت الاستثمارات، وانهارت الثقة. وقد عجل هذا التمزق بأزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، مع قيام المصارف والودائع والعملة ومؤسسات النظام ذاتها.
وفي هذا السياق، ظلت القرارات الدولية التي تدعو إلى نزع سلاح الميليشيات دون تنفيذ. ليس لعدم الوضوح، بل بسبب نقص القدرات. ولا يمكن للدولة المكرّرة، التي تضعف وتخترقها علاقات القوة غير المتناظرة، أن تفرض هذا التغيير وحده.
هذا هو المكان الذي يصبح فيه السؤال حتمي.
هل يمكننا أن نتوقع من دولة مأخوذة بالعكس أن تحرر نفسها بوسائلها الخاصة؟ هل يمكننا أن نطلب من جيش محدود في موارده ومن هوامش عمله أن يواجه هيكلا موازيا منظما ومستمرا؟
الجواب، إذا رفض أحد الأوهام، هو لا.
إن استعادة السيادة اللبنانية يتطلب إعادة توازن حقيقي بين القوات. ولا يمكن تحقيق هذا التوازن من دون دعم خارجي واضح ومنظم ومشروع. وليست مسألة الاستعاضة عن وصاية أخرى، بل مسألة تمكين الدولة اللبنانية من أن تصبح مرة أخرى كما يجب أن تكون: الحائز الوحيد للقوة المشروعة في إقليمها.
ولذلك يبدو أن المساعدة العسكرية الدولية، التي يشرف عليها القانون وينسقها مع الجيش اللبناني، هي ضرورة استراتيجية. ومن شأن ذلك أن يوفر الوسائل اللازمة لتنفيذ القرارات القائمة، وإعادة بسط سلطة الدولة وإنهاء تعدد مراكز السلطة المسلحة.
المخاطر تتجاوز الأمن
والهدف من ذلك هو استعادة إمكانية لبنان كدولة. لاستعادة ثقة مواطنيها وشركائها. لإعادة فتح النظرة الاقتصادية وقبل كل شيء، استعادة الحق الأساسي لللبنانيين في أن يقرروا بحرية مصيرهم الجماعي.
والسؤال بسيط في جوهره.
هل يمكن لبلد أن ينجو عندما يحل الخوف محل المناقشة، عندما تحل الأسلحة محل المؤسسات، وعندما تفرض الأقلية قانونها على الأغلبية؟
وقد بلغ لبنان نقطة لم يعد فيها الغموض خيارا. فبين السيادة وإهمالها، بين الدولة وحكمها، لم تعد مسألة تعليق – بل هي مسألة اختيار.
وهذا الخيار لا يتعلق فقط باللبنانيين.
وإذا كان الغرب يطالب حقا بالديمقراطية، فإنه لا يمكن أن يتذرع بها من حيث المبدأ مع التخلي عنها عمليا. والأمر متروك له هو مساعدة الشعوب التي تطمح إلى العيش وفقا لهذه المبادئ على أن تكون قادرة على ممارسة هذه المبادئ على نحو فعال، وعلى دعم المجتمعات التي تتمشى بين منطق هيمنة الأقليات ونظم أخذ الرهائن التي هي هياكل أكثر مافيا من الدول.
فبالنسبة للديمقراطية التي لا تدافع بشكل ملموس، تنتهي دائماً باستبدالها.
وفي حالة لبنان، تكتسب هذه المسؤولية بُعداً خاصاً يكاد يكون مثالياً. فهي ليست بلداً واحداً من بين بلدان أخرى، بل هي مساحة شهدها التنوع منذ فترة طويلة كثروة وليس كخط من الكسور، حيث لم يكن التعايش شعاراً بل حقيقة هشة، بنيت بصبر.
والتخلي عن لبنان في منطق الهيمنة المسلحة هو تأييد الفكرة القائلة بأنه لا يمكن لأي مجتمع تعددي أن ينجو في مواجهة منظمة مهيكلة وعسكرية. ومن شأن ذلك أن يبعث بإشارة إلى أبعد من حدوده: فتلك القوة تسود على القانون لفترة طويلة، وأنه يمكن كسر الأرصدة الداخلية دون نتيجة، وأن المجتمع الدولي لا يتدخل إلا عندما تتعرض مصالحه المباشرة للخطر.
وعلى العكس من ذلك، فإن دعم لبنان في استعادة سيادته سيكون مبدأ بسيطا وإن كان أساسيا: فلا يمكن أن تصادر الدولة بصورة دائمة بالقوة الموازية، ولا يمكن حرمان شعب إلى أجل غير مسمى من قدرته على الحكم نفسه.
وهذا يتطلب شجاعة سياسية، لأن أي عمل ينطوي على تكلفة. وينطوي ذلك أيضا على التهوين، لأن عدم اتخاذ إجراء آخر – كثيرا ما يكون أعلى، ولكنه متأخر، ويسهل تجاهله.
ولا يحتاج لبنان إلى دعم تقني أو اقتصادي فحسب. It needs a return to balance that allows its institutions to function again. إنه بحاجة إلى الشرعية ليتوقف عن التحدي بالقوة وباختصار، تحتاج الدولة إلى أن تصبح الدولة مرة أخرى.
بدون هذا، لن يصمد أي إصلاح. ولن يكون الانتعاش الاقتصادي ذا مصداقية. لا يوجد اتفاق اجتماعي
كل شيء يبدأ بالسيادة
وكل شيء يعود





