9 حزيران/يونيه 1861: يدخل جبل لبنان حقبة الحكم الذاتي الطائفي

9 juin 2026Libnanews Translation Bot

بعد مذابح عام 1860، حول بروتوكول بيوغلو الجبل إلى منطقة حكم ذاتي تابعة للإمبراطورية العثمانية. وتضع الأنظمة العضوية حدا للنظام المحلي القديم، ولكنها تضع أيضا أسس نظام سياسي تنظّمه المجتمعات المحلية.

التاسع من يونيو عام 1861 هو تاريخ تأسيسي في تاريخ لبنان السياسي الحديث وفي ذلك اليوم، في بيوغلو، في عطومان اسطنبول، أيدت البوابة الفرعية والسلطات الأوروبية وضعا جديدا ل جبل لبنان. والنص، المعروف باللائحة التنظيمية العضوية، يُفضي إلى  » موتاسريفيا  » في جبل لبنان، وهو كيان مستقل خاضع لسيادة العثمانية، ولكن مع منظمة إدارية معينة.

وتأتي هذه اللائحة بعد العنف الاعترافي الذي وقع في عام 1860، والذي أُصيب بدماء في جبل لبنان ودمشق. وقد تسببت الاشتباكات بين الدروز والمسيحيين، ولا سيما المارونيين، في وفاة الآلاف وتدخل دبلوماسي أوروبي، وكان لها دور مركزي في فرنسا من جانب نابليون الثالث. الهدف هو استعادة النظام ومنع المزيد من المذابح وإنشاء آلية مؤسسية قادرة على تأطير التعايش بين المجتمعات.

الاستقلال بدون استقلال

ولا يصبح جبل لبنان دولة مستقلة. وظلت مندمجة في الإمبراطورية العثمانية. لكنه يحصل على مركز منفصل عن الإدارة السورية. وكانت هذه الاستقلالية الإدارية أساسية في الحل التوفيقي لعام 1861.

ويحكم الإقليم الآن على يد حاكم يدعى موتاساريف. يجب أن يكون مسيحياً، موضوع عثماني، لكن ليس من جبل لبنان. تهدف القاعدة إلى منع عائلة محلية كبيرة، مارونية أو درزية، من الاستيلاء على السلطة مباشرة. يتم تعيين الحاكم من قبل الباب العالي، بموافقة القوى الأوروبية.

ويعكس هذا الاختيار التوازن الذي يسعى إليه المفاوضون. الامبراطورية العثمانية تحتفظ بسيادتها وللأوروبيين حق سياسي في أن يروا. ومن ناحية أخرى، تُدمج المجتمعات المحلية في نظام إداري يصبح فيه تمثيلها بيانات مؤسسية.

نقطة التحول الديني

إن النظام الأساسي لا يخلق الديانة اللبنانية من الصفر. فعضوية المجتمع المحلي قد نظمت بالفعل المجتمع وعلاقات السلطة والحماية الأجنبية. ولكن نص عام 1861 يعطيهم شكلا إداريا.

وفي جميع أنحاء الحاكم، يمثل مجلس إداري المجتمعات الجبلية الرئيسية. والمنطق واضح: تنظيم السلطة ليس فقط حول إقليم ما، بل حول توازن بين الجماعات الدينية. وتُدمج هذه الصيغة بعد ذلك وتُعدَّل بموجب لوائح عام 1864.

يعطي النظام وزنًا سياسيًا أكبر للمسيحيين، وخاصة الموارنة، الذين يؤثر مكانهم الديموغرافي ودعمهم الأوروبي في العمارة الجديدة. ولكنه لا يوقف وجود الدروز ولا وجود المجتمعات الأخرى. بل إنه يسعى إلى احتواء المنافسات بتحويلها إلى تمثيل مؤسسي.

وهنا يكمن الإرث الأطول في 9 حزيران/يونيه 1861. ولتفادي الحرب الأهلية، تنقسم السلطة إلى فئات دينية. ما كان من المفترض أن يستقر الجبل تدريجيا يصبح مصفوفة سياسية.

سلام نسبي، ولكن نظام دائم

وتفتتح موتوصاريفيا فترة كثيرا ما يوصف بأنها أكثر استقرارا مما كانت عليه في العقود السابقة. ويتمتع جبل لبنان بنظام خاص وبإدارة نظيفة وبإطار تضمنه السلطات. واستمرت هذه المنظمة حتى الحرب العالمية الأولى، عندما انهار أمر العثماني وعطلت التوازنات الإقليمية.

ولكن هذا الاستقرار له ثمن سياسي. وهو يجسد فكرة أن إدارة لبنان تتطلب الاعتراف الرسمي بالمجتمعات المحلية. السلطة ليست مجرد مسألة المواطنين والمؤسسات. ويصبح أيضا مسألة حصص ومقاعد وأرصدة دنيا.

ولا يتوافق هذا النموذج بعد مع النظام اللبناني المعاصر. ولا يوجد رئيس للجمهورية ولا برلمان وطني لبناني ولا ميثاق وطني. ولكن الفكرة الأساسية موجودة بالفعل: لا يمكن لأي مجتمع أن يحكم وحده، ولا يمكن لأي إصلاح سياسي أن يتجاهل الأرصدة الداخلية.

من الجبل إلى لبنان الحديث

وقد أعلنت اللائحة التنظيمية لعام 1861 عن عدة سمات من شأنها أن تميز فيما بعد الحياة السياسية اللبنانية. أولاً، الحكم الذاتي المحلي بموجب ضمان خارجي. ثانيا، دور السلطات في تحديد الأرصدة الداخلية. وأخيرًا، الاعتراف بالمؤسسات كوسيلة لتحقيق الاستقرار.

وعندما أعلن أكبر لبنان في عام 1920 بموجب الولاية الفرنسية، فإنه لم يترك صفحة فارغة. وهو يرث ذاكرة سياسية، إقليماً موسعاً، ولكنه أيضاً طريقة لإدارة المجتمعات المحلية سبق أن اكتسبها في جبل لبنان. ومن ثم، فإن الموساريفيا تصبح سابقة تاريخية تبنى عليها الدولة اللبنانية الحديثة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

9 حزيران/يونيه 1861 ليس مجرد تاريخ إداري. إنها لحظة رائعة. بعد عنف عام 1860، دخل جبل لبنان في نظام حكم ذاتي خاضع للإشراف. ويخفف هذا النظام من بعض التوترات، ولكنه يضع السياسة اللبنانية على أساس المجتمع المحلي الطويل الأجل.

ولا يزال هذا التاريخ، بعد أكثر من قرن ونصف، يشكل نقطة انطلاق أساسية لفهم لبنان المعاصر: بلد يولد تنازلا، ومخاوف متبادلة، وتدخلا أجنبيا، والبحث الدائم عن التوازن بين مجتمعاته المحلية.